عبد الله بن أحمد النسفي
395
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
فعبّر عن إرادة الفعل بالفعل لأنّ الفعل مسبب عن الإرادة وأقيم المسبّب مقام السبب لملابسة بينهما طلبا للإيجاز ، ونحوه كما تدين تدان عبر عن الفعل « 1 » المبتدأ الذي هو سبب الجزاء بلفظ الجزاء الذي هو مسبّب عنه ، وتقديره وأنتم محدثون ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أو من النوم ، لأنه دليل الحدث ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والخلفاء يتوضئون « 2 » لكلّ صلاة ، وقيل كان الوضوء لكلّ صلاة واجبا أوّل ما فرض ثم نسخ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ إلى تفيد معنى الغاية « 3 » فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل ، فما فيه دليل على الخروج فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ « 4 » لأنّ الإعسار علة الإنظار ، وبوجود الميسرة تزول العلة ، ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظرا في الحالتين معسرا وموسرا ، وكذلك أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ « 5 » لو دخل الليل لوجب الوصال ، ومما فيه دليل على الدخول قولك حفظت القرآن من أوله إلى آخره لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كلّه ، ومنه قوله تعالى : مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى « 6 » ولوقوع العلم بأنّه عليه السّلام لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله ، وقوله إلى المرافق لا دليل فيه على أحد الأمرين ، فأخذ الجمهور بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل ، وأخذ زفر وداود بالمتيقّن فلم يدخلاها ، وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يدير الماء على مرفقيه « 7 » وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ المراد إلصاق المسح بالرأس ، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه ، فأخذ مالك بالاحتياط فأوجب الاستيعاب ، والشافعيّ باليقين فأوجب أقلّ ما يقع عليه اسم المسح ، وأخذنا ببيان النبي عليه السّلام وهو ما روي أنه مسح على ناصيته « 8 » وقدّرت الناصية بربع الرأس وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ بالنصب شامي ونافع وعلي وحفص ، والمعنى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برءوسكم على التقديم والتأخير . غيرهم بالجر بالعطف على الرؤوس ، لأن الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها ، فكانت مظنة للإسراف المنهي عنه ، فعطفت على الممسوح لا لتمسح ، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها ، وقيل إلى الكعبين فجيء بالغاية إماطة لظن ظان يحسبها ممسوحة ،
--> ( 1 ) في ( ز ) الفعل الابتدائي . ( 2 ) في ( ز ) والصحابة يتوضئون . ( 3 ) زاد في ( ز ) مطلقا . ( 4 ) البقرة ، 2 / 280 . ( 5 ) البقرة ، 2 / 187 . ( 6 ) الإسراء ، 17 / 1 . ( 7 ) أخرجه الدارقطني من حديث جابر وإسناده ضعيف . ( 8 ) رواه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة في قصة .